سورة الشعراء - تفسير تفسير الألوسي

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
تفسير السورة  
الصفحة الرئيسية > القرآن الكريم > تفسير السورة   (الشعراء)


        


{أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7)}
{أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَى الارض} بيان لإعراضهم عن الآيات التكوينية بعد بيان إعراضهم عن الآيات التنزيلية، والهمزة للإنكار التوبيخي والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أأصروا على ما هم عليه من الكفر بالله تعالى وتكذيب ما يدعوهم إلى الايمان به عز وجل ولم ينظروا إلى عجائب الأرض الزاجرة لهم عن ذلك والداعية إلى الايمان به تعالى، وقال أبو السعود بعد جعل الهمزة للإنكار والعطف على مقدر يقتضيه المقام: أي افعلوا ما فعلوا من الاعراض عن الآيات والتكذيب والاستهزاء بها ولم ينظروا إلى عجائب الأرض الزاجرة عما فعلوا والداعية إلى الإقبال على ما أعرضوا عنه انتهى.
وهو ظاهر في أن الآية مرتبطة بما قبلها من قوله تعالى: {وَمَا يَأْتِيهِم} [الشعراء: 5] إلخ وهو قريب بحسب اللفظ إلا أن فيه أن النظر إلى عجائب الأرض لا يظهر كونه زاجرًا عن التكذيب بكون القرآن منزلًا من الله عز وجل وداعيًا إلى الإقبال إليه، وقال ابن كمال: التقدير ألم يتأملوا في عجائب قدرته تعالى ولم ينظروا انتهى.
والظاهر أن الآية عليه ابتداء كلام فافهم، وقيل: هو بيان لتكذيبهم بالمعاد إثر بيان تكذيبهم بالمبدأ وكفرهم به عز وجل والعطف على مقدر أيضًا، والتقدير أن كذبوا بالبعث ولم ينظروا إلى عجائب الأرض الزاجرة عن التكذيب بذلك والأول أولى وأظهر، وأيًا ما كان فالكلام على حذف مضاف كما أشير إليه، وجوز أن يراد من الأرض عجا ئبها مجازًا؛ وقوله تعالى: {كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} استئناف مبين لما في الأرض من الآيات الزاجرة عن الكفر الداعية إلى الايمان.
وكم خبرية في موضع نصب على المفعولية بما بعدها وهي مفيدة للكثرة وجيء بكل معها لإفادة الإحاطة والشمول فيفيد أن كثرة أفراد كل صنف صنف فيكون المعنى انبتنا فيها شيئًا كثيرًا من كل صنف على أن من تبعيضية أو كثرة الأصناف فيكون المعنى أنبتنا فيها شيئًا كثيرًا هو كل صنف على أن من بيانية، وأيًا ما كان فلا تكرار بينهما، وقد يقال: المعنى أو لم ينظروا إلى نفس الأرض التي هي طبيعة واحدة كيف جعلناها منبتًا لنباتات كثيرة مختلفة الطبائع وحينئذ ليس هناك حذف مضاف ولا مجاز ويكون قوله تعالى: {كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا} إلخ يدل اشتمال بحسب المعنى وهو وجه حسن فافهمه لئلا تظن رجوعه إلى ما تقدم واحتياجه إلى ما احتاج إليه من الحذف أو التجوز، والزوج الصنف كما أشرنا إليه، وذكر الراغب أن كل ما في العالم زوج من حيث أن له ضدًا ما أو مثلًا ما أو تركيبًا ما بل لا ينفك بوجه من تركيب، والكريم من كل شيء مرضيه ومحموده، ومنه قوله:
حتى يشق الصفوف من كرمه ***
فإنه أراد من كونه مرضيًا في شجاعته وهو صفة لزوج أي من كل زوج كثير المنافع وهي تحتمل التخصيص والتوضيح، ووجه الأول دلالته على ما يدل عليه غيره في شأن الواجب تعالى وزيادة حيث يدل على النعمة الزاجرة لهم عما هم عليه أيضًا، ووجه الثاني التنبيه على أنه تعالى ما أنبت شيئًا إلا وفيه فائدة كما يؤذن به قوله تعالى: {هُوَ الذى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الارض جَمِيعًا} [البقرة: 29] وأيًا ما كان فالظاهر عدم دخول الحيوان في عموم المنبت، وذهب بعض إلى دخوله بناء على أن خلقه من الأرض إنبات له كما يشير إليه قوله تعالى: {والله أَنبَتَكُمْ مّنَ الارض نَبَاتًا} [نوح: 17] وعن الشعبي التصريح بدخول الإنسان فيه، فقد روى عنه أنه قال الناس. من نبات الأرض فمن صار إلى الجنة فهو كريم ومن صار إلى النار فبضد ذلك.


{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8)}
{إِنَّ فِى ذَلِكَ} أي الانبات أو المنبت {لآيَةً} عظيمة دالة على ما يجب عليهم الايمان به من شؤونه عز وجل، وما ألطف ما قيل في صف النرجس:
تأمل في رياض الورد وانظر *** إلى آثار ما صنع المليك
عيون من لجين شاخصات *** على أهدابها ذهب سبيك
على قضب الزبرجد شاهدات *** بأن الله ليس له شريك
{وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ} قيل: أي وما كان في علم الله تعالى ذلك. واعترض بناء على أنه يفهم من السياقة العلية بأن علمه تعالى ليس علة لعدم إيمانهم لأن العلم تابع للمعلوم لا بالعكس. ورد بأن معنى كونه علمه تعالى تابعًا للمعلوم أن علمه سبحانه في الأزل علوم معين حادث تابع لماهيته عنى أن خصوصية العلم وامتيازه عن سائر العلوم إنما هو باعتبار أنه علم بهذه الماهية وأما وجود الماهية فيما لا يزال فتابع لعلمه تعالى الأزلي التابع لماهيته عنى أنه تعالى لما علمها في الأزل على هذه الخصوصية لزم أن تتحقق وتوجد فيما لا يزال كذلك فنفس موتهم على الكفر وعدم إيمانهم متبوع لعلمه الأزلي ووقوعه تابع له، ونقل عن سيبويه إن {كَانَ} صلة والمعنى وما أكثرهم مؤمنين فالمراد الأخبار عن حالهم في الواقع لا في علم الله تعالى الأزلي وارتضاه شيخ الإسلام، وقال: هو الأنسب قام بيان عتوهم وغلوهم في المكابرة والعناد مع تعاقد موجبات الايمان من جهته عز وجل وأما نسبة كفرهم إلى علمه تعالى فرا يتوهم منها كونهم معذورين فيه بحسب الظاهر ويحتاج حينئذ إلى تحقيق عدم العذر بما يخفى على العلماء المتقنين، والمعنى على الزيادة وما أكثرهم مؤمنين مع عظم الآية الموجبة للايمان لغاية تماديهم في الكفر والضلالة وانهماكهم في الغي والجهالة، ويجوز على قياس ما مر عن بعض الأجلة في قوله تعالى: {ألا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 3] أن يقال: إن {كَانَ} للاستمرار واعتبر بعد النفي فالمراد استمرار نفي إيمان أكثرهم مع عظم الآية الموجبة لايمانهم، وفيه من تقبيح حالهم ما فيه.
وهذا المعنى وإن تأتي على تقدير إسقاط {كَانَ} بأن يعتبر الاستمرار الذي تفيده الجملة الاسمية بعد النفي أضًا إلا أنه فرق بين الاستمرارين بعد اعتبار كان قوة وضعفًا فتدبر، ونسبة عدم الايمان إلى أكثرهم لأن منهم من لم يكن كذلك.


{وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9)}
{وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز} أي الغالب على كل ما يريده من الأمور التي من جملتها الانتقام من هؤلا الكفرة {الرحيم} أي البالغ في الرحمة ولذلك يمهلهم ولا يؤاخذهم بغتة بما اجترؤا عليه من العظائم الموجبة لفنون العقوبات أو العزيز في انتقامه ممن كفر الرحيم لمن تاب وآمن أو العزيز في انتقامه من الكفرة الرحيم لك بأن يقدر من يؤمن بك إن لم يؤمن هؤلاء، والتعرض لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من تشريفه عليه الصلاة والسلام والعدة الخفية له صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى، وتقديم العزيز لأن ما قبله أظهر في بيان القدرة أو لأنه أدل على دفع المضار الذي هو أهم من جلب المصالح.

1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8